لسان الدين ابن الخطيب

316

الإحاطة في أخبار غرناطة

وقام فيها خطيب الطّير مرتجلا * والزّهر قد رصّعت منه منابره موشيّ ثوب طواه الدّهر آونة * فها هو اليوم للأبصار ناشره فالغصن من نشوة يثني معاطفه * والطّير من طرب تشدو مزاهره وللكمام انشقاق عن أزاهرها * كما بدت لك من خلّ ضمائره للّه يومك ما أذكى فضائله * قامت لدين الهوى « 1 » فيه شعائره فكم سريرة فضل فيك قد خبئت * وكم جمال بدا للناس ظاهره فافخر بحقّ على الأيام قاطبة * فما لفضلك من ندّ يظاهره « 2 » فأنت في عصرنا كابن الحكيم إذا * قيست بفخر أولي العليا مفاخره يلتاح منه بأفق الملك نور هدى * تضاءل الشمس مهما لاح زاهرة مجد صميم على عرش السّماك سما * طالت مبانيه واستعلت مظاهره وزارة الدّين والعلم الذي رفعت * أعلامه والنّدى الفيّاض زاخره وليس هذا ببدع من مكارمه * ساوت أوائله فيه أواخره يلقى الأمور بصدر منه منشرح * بحر وآراؤه العظمى جواهره راعى أمور الرّعايا معملا نظرا * كمثل علياه معدوما نظائره والملك سيّر في تدبيره حكما * تنال ما عجزت عنه عساكره سياسة الحكم « 3 » لا بطش يكدّرها * فهو المهيب وما تخشى بوادره لا يصدر الملك إلّا عن إشارته * فالرّشد لا تتعدّاه مصائره تجري الأمور على أقصى إرادته * كأنما دهره فيه يشاوره وكم مقام له في كل مكرمة * أنست موارده فيها مصادره ففضلها طبّق الآفاق أجمعها * كأنه مثل قد سار سائره فليس يجحده إلّا أخو حسد * يرى الصباح فيعشى منه ناظره لا ملك أكبر من ملك يدبّره * لا ملك أسعد من ملك يؤازره يا عزّ أمر به اشتدّت مضاربه * يا حسن ملك به ازدانت محاضره تثني البلاد وأهلوها بما عرفوا * ويشهد الدهر آتيه وعابره « 4 » بشرى لآمله الموصول مأمله * تعسا لحاسده المقطوع دابره فالعلم قد أشرقت نورا مطالعه * والجود قد أسبلت سحّا مواطره

--> ( 1 ) في المصدرين : « الهدى » . ( 2 ) في أزهار الرياض : « يناظره » . ( 3 ) في المصدرين : « الحلم » . ( 4 ) في المصدرين : « وغابره » بالغين المعجمة .